مقالات تحليلية

عمى الألوان في كرة القدم: اعتراف ديلاني أشد تأثيرًا من إيطاليا والفيفا

تخيل نفسك داخل ملعب كرة قدم وتحاول تجنب الخصم من أجل التمرير إلى زميلك في الفريق، لكن لا يمكنك ذلك بسبب عدم قدرتك على التفرقة بين لون قميص فريقك ولون قميص الخصم.

هذا ما يشعر به لاعب كرة القدم المصاب بمرض عمى الألوان، وهي نفس الصورة التي يشاهدها المشجع المصاب بنفس المرض؛ الأمور تبدو صعبة أليس كذلك؟

يختلف عمى الألوان من حيث النوع والشدة، ولكن بالنسبة لمشجع أو لاعب يعاني من مشاكل شديدة بين الأحمر والأخضر والأزرق فإن النتيجة سوف تكون كارثية -كمثال بسيط- حينما يتعلق الأمر بمباراة بين ليفربول بالأحمر وتشيلسي بالأزرق، سوف يرى الفريقين بنفس اللون وهو الأسود.

بينما تعاني فئة كبيرة من جماهير كرة القدم مع لون واحد فقط وهو “الأخضر”، فعندما يرتدي فريق الزي الأخضر بالكامل يختلط عليهم الأمر خلف الشاشات للتشابه الكبير بين اخضرار العشب والقميص.

وبعد التعرف على المعاناة التي يعيشها مشجع مصاب بمرض عمى الألوان، قد يهون عليهم كثيرًا.

ويؤثر عمى الألوان أو نقص رؤية الألوان (CVD)، على الرجال أكثر من النساء، ويعاني واحد من كل 12 ذكرًا من هذا المرض، مقارنة بواحدة فقط من كل 200 أنثى، ويمثل مرضى عمى الألوان مجتمعًا عالميًا يضم أكثر من 320 مليون شخص حول العالم.

وغالبًا ما يجد المشجعون الذين يعانون من عمى الألوان أنفسهم غير قادرين على التمييز بين الفرق ورؤية الكرة، أو شراء التذاكر من خلال المواقع بسبب الترميز اللوني للمقاعد المتوفرة وأمكانها في الملعب.

محاولة إيطالية غير مقصودة

قرر الاتحاد الإيطالي لكرة القدم منع ارتداء القمصان الخضراء بداية من موسم 2022/2023 على أن يكون إلزاميًا بموسم 2024/2025 لمنح الأندية مزيدًا من الوقت لإحداث التغييرات؛ والمفاجأة كانت لسبب لا يتعلق بمرضى عمى الألوان.

خطوة ومحاولة غير مقصودة ولكن سوف تخدم بدورها المصابين بالمرض وحتى المشاهدين العاديين، نظرًا لاختلاط لون الزي الأخضر مع العشب لدرجة كبيرة أثناء النقل التلفزيوني وهو السبب الرئيس للقانون الإيطالي الجديد بطلب من الشركات الراعية الناقلة للمباريات هناك، بسبب اختفاء بعض اللاعبين اثناء البث.

وينص قانون القمصان الخضراء -الربحي- على استخدام اللون الأخضر مع لون آخر مثل قميص ساسولو، حتى لا تظهر الصورة بجودة سيئة تُرهق أعين المشاهدين، مع منع استخدامه نهائيًا في الزي الثاني للفريق.

عمى الألوان في كرة القدم: هل مَنع إيطاليا للقمصان الخضراء أحدث فرقًا؟
قميص نادي ساسولو الإيطالي موسم 2023/2024

في الواقع، لن يفعل حظر الأطقم الخضراء في إيطاليا شيئًا نحو التحديات التي يواجهها اللاعبون والمتفرجون الذين يعانون من عمى الألوان، لأن المشاكل التي تسببها الألوان الأخرى مثل الأحمر والأزرق أكثر تأثيرًا وتعقيدًا وتحتاج إلى التعامل معها من خلال لوائح المنظمات المهتمة بحل مشاكل مصابي المرض.

وعد الفيفا دَين عليه

إذا لعب أحد الفريقين بالقميص الأحمر والآخر باللون الأخضر فستنتهي المباراة قبل بدايتها بالنسبة للمشجع المصاب بعمى الألوان، وهو ما حدث في المباراة الافتتاحية لكأس العالم روسيا 2018.

شون هارجريف هو مُشجع مهووس بمتابعة كرة القدم ومصاب بمرض عمى الألوان، خرج حينها على وسائل التواصل الاجتماعي ووصف المباراة الافتتاحية للمونديال بين البلد المضيف روسيا والسعودية بأنها “وصمة عار”!

لم يكن هارجريف المشجع الوحيد، بل انضم إليه العديد من المرضى بالإضافة إلى عدد كبير من الداعمين، وأدرك الاتحاد الدولي لكرة القدم فيفا حينها ضرورة الالتفات لتلك الفئة المُهمشة.

تواصلت الفيفا بعدها مع جمعية التوعية بعمى الألوان Color Blind Awareness وتم وضع قانون على أنه يجب أخذ الأشخاص المصابين بعمى الألوان في الاعتبار عند اختيار ألوان القميص لكل مباراة “إذا كانت متوفرة”.

ولكن تكرر المشهد خلال كأس العالم قطر 2022 في مواجهة الكاميرون (اللون الأخضر) مع سويسرا (اللون الأحمر)، وخرجت الرئيسة التنفيذية للجمعية كاثرين ألباني لتؤكد ان المسؤولين في الفيفا على دراية كاملة بتلك المسألة.

عمى الألوان في كرة القدم: هل مَنع إيطاليا للقمصان الخضراء أحدث فرقًا؟
صورة توضح معاناة مصاب مرض عمى الألوان مع اللون الأخضر والأحمر – مباراة سويسرا ضد الكاميرون

وقالت كاثرين : “لقد عملنا مع الفيفا منذ كأس العالم 2018 لمساعدته في وضع اللوائح الخاصة بألوان القمصان، وهم يدركون جيدًا أن اللون الأحمر مقابل الأخضر سيكون مؤلمًا للأشخاص المصابين بعمى الألوان وأن الألوان الأخرى تتداخل معه”.

اعتراف ديلاني

كما ذكرنا أن مشكلة عمى الألوان تمتد إلى أفراد اللعبة نفسها سواء اللاعبين من الجنسين والمدربين ايضًا، ويعد اللاعب الدولي الدنماركي “توماس ديلاني” أشهر المصابين بالمرض، وسبق له اللعب مع بوروسيا دورتموند الألماني ويلعب حاليًا مع إشبييلة الإسباني.

“أنا أحمر وأخضر -مصاب بمرض عمى الألوان- لن أقول إن الأمر سيء للغاية، فعندما تكون الناس على مقربة من بعضهم البعض لا يكون من الصعب تصنيفهم، ولكن عندما يكون الإيقاع سريعًا، يصبح الأمر أصعب قليلًا، ومن الصعب وصف الأمر، أنه أشبه بظلال مختلفة لنفس اللون، عادة نلعب بقمصان ذات ألوان مختلفة، لكن هذه المرة لم نفعل لذا الأمر كان أكثر صعوبة”.

هكذا اعترف ديلاني لإذاعة DR P3 الدنماركية عندما لعب مع منتخب بلاده الدنمارك باللون الأحمر امام المكسيك الذي ارتدى اللون الأخضر في مباراة ودية قبل كأس العالم 2018.

وأضاف :”عادة ما يكون لدينا شورتات ذات ألوان مختلفة، لكن كلاهما كان أبيض في ذلك الوقت -الدنمارك ضد المكسيك- لذا كان الأمر معقدًا، وتطلب الأمر أن أنظر إلى الوجوه، وعلي أن أفعل ذلك بسرعة حتى لا أفقد الكرة”.

وأدى اعتراف ديلاني الصريح إلى حرص الفيفا على ارتداء كل من الدنمارك وأستراليا لزيهما البديل عندما التقيا في الجولة الثالثة من دور المجموعات بكأس العالم 2018، وكان من السهل على ديلاني تمييز اللون الأخضر الداكن في أستراليا عن اللون الأصفر المعتاد مع ارتداء منتخب بلاده للون الأبيض والأحمر.

ديلاني من مباراة الدنمارك ضد استراليا في مونديال كأس العالم 2018

تقول كاثرين ألباني، مؤسسة مجموعة التوعية بعمى الألوان Color Blind Awareness لإذاعة بي بي سي، إن صدق وشجاعة ديلاني كانت بمثابة اللحظة الفارقة: “إنه أول لاعب على الإطلاق غير معتزل ويلعب في مستويات كبيرة، يعترف بإصابته بعمى الألوان، لا أعتقد أنه يدرك الآثار المترتبة على ما فعله، لأن معظم اللاعبين لا يتحدثون علانية لأنهم خائفون من أن ذلك سيؤثر على فرصهم في ممارسة اللعبة”.

ومنذ ذلك الحين نشطت حملات لتثقيف المشجعين والمجتمع، أهمها إصدارة الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم فيديو برسوم متحركة في اليوم العالمي للمرض (6 سبتمبر) تقديرًا للتحديات التي يواجهها مصابي مرض عمى الألوان من اللاعبين والمشجعين بالشراكة مع الاتحاد الأوروبي لكرة القدم.

وصمم نادي توتنهام هوتسبير الإنجليزي موقعه على الإنترنت وخطة تسعير التذاكر الموسمية لتكون أقل إرباكًا للمصابين بعمى الألوان، الذين كثيرًا ما ييأسون من أنظمة التذاكر عبر الإنترنت التي تستخدم الترميز اللوني لإظهار أماكن المقاعد المتوفرة.

وشارك العديد من اللاعبين في حملة دعم مصابين مرض عمى الألوان خلال بطولة دوري الأمم الأوروبية في سبتمبر 2020، أبرزهم نجم مانشستر يونايتد الدولي البرتغالي برونو فيرنانديز.

وقال فرنانديز: “عدم القدرة على مشاهدة مباراة على الشاشات بالألوان الكاملة، للمساعدة في التمييز بسهولة بين الفرق وبطاقات الحكم والأشياء الملونة في المدرجات يبدو لي أمرًا لا يمكن تصوره”.

“لا نمتلك في الفريق لاعب مصاب بعمى الألوان، ولكن بالتأكيد هناك العديد من اللاعبين في فرق أخرى ممن قد يواجهون مجموعة من الصعوبات عند اللعب أو مشاهدة المباريات”.

“هذا هو السبب في أنه من المهم للغاية زيادة الوعي وتقديم معلومات أكبر وإجراء تغييرات حتى لا يشعر المصابون بعمى الألوان بأنهم مستبعدون، ويندمجون في اللعبة على أكمل وجه”.

وحكى لاعب آخر قصته مع عمى الألوان وهو الدولي الآيرلندي “مات هولاند” والذي لعب مع إبسويتش وتشارلتون في إنجلترا: “عانيت أحيانًا عندما كانت ألوان القمصان متقاربة، وكان التحدي الأكبر هو الاضطرار إلى استغراق جزء من الثانية لفترة أطول لاتخاذ قرار بشأن المكان الذي كنت سأقوم بتمرير الكرة فيه للتأكد من أنني سأقوم بالتمرير إلى زميل في الفريق”.

“بصفتي معلقًا ومشاهدًا الآن، أعتقد أنه من الضروري أن تكون ألوان القمصان مختلفة تمامًا، وسيكون من الجيد أن تكون الأرقام الموجودة على ظهر القمصان أكثر وضوحًا كذلك”.

في النهاية سيكون تصريح كاثرين ألباني مثالي لمواجهة تحديات مصابي مرض عمى الألوان وبالتحديد في عالم كرة القدم :”احيانًا كل ما نحتاجه هو القليل من التخطيط المسبق، وحينها سوف يكون هناك نتائج إيجابية للفرق والمشجعين والجهات الراعية والمذيعين”.

اقرأ أيضاً

مقالات ذات صلة

يرجى إيقاف مانع الاعلانات

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock